نظام ذكاء اصطناعي في مستشفى بفلوريدا يساهم في إنقاذ مئات حالات تسمّم الدم
نظام Sepsis Hub المبني مع Palantir في مستشفى تامبا العام بفلوريدا خفّض وفيات تسمّم الدم إلى النصف وساهم في إنقاذ ما يقارب 900 حالة عبر الرصد المبكّر المستمر.
في إنجاز يبرز الجانب المضيء للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، كشف مستشفى تامبا العام (Tampa General Hospital) في ولاية فلوريدا الأمريكية أن نظام ذكاء اصطناعي يستخدمه لرصد تسمّم الدم (Sepsis) ساهم في إنقاذ مئات الأرواح خلال السنوات الأخيرة. وبحسب تقارير صحفية حديثة، خفّض النظام الوفيات المرتبطة بتسمّم الدم في المستشفى إلى النصف منذ إطلاقه، فيما تشير التقديرات التراكمية إلى إنقاذ ما يقارب 900 حالة، بعد أن كان الرقم يتجاوز 700 حالة في تقديرات سابقة هذا العام.
ما هو نظام Sepsis Hub؟
النظام، المعروف باسم Sepsis Hub، طوّره المستشفى بالتعاون مع شركة تحليل البيانات Palantir اعتمادًا على منصّتها Foundry. وتكمن فكرته في المراقبة المستمرة على مدار الساعة لكل مريض، إذ يسحب بيانات آنيّة من السجلات الصحية الإلكترونية تشمل العلامات الحيوية ونتائج المختبر وملاحظات الأطبّاء، ويحلّلها باستمرار لرصد المؤشّرات المبكّرة التي قد تفوت الطاقم الطبّي في زحمة المناوبات. وعند رصد تغيّر طفيف ينذر بالخطر، يُنبّه النظام «فريق استجابة سريعة» للتدخّل فورًا.
لماذا يُعدّ هذا مهمًّا؟
تسمّم الدم استجابة مفرطة من الجسم تجاه عدوى، وهو سريع الانتشار وصعب الالتقاط مبكّرًا، لأنه يبدأ بتغيّرات بسيطة في العلامات الحيوية كارتفاع طفيف في معدّل ضربات القلب أو تغيّر بسيط في الحرارة، يسهل أن تضيع وسط انشغال أقسام المستشفى. لكنه حين يستفحل، قد يؤدّي سريعًا إلى فشل الأعضاء والوفاة. وتشير بيانات مراكز مكافحة الأمراض الأمريكية (CDC) إلى أن نحو 1.7 مليون بالغ أمريكي يصابون بالحالة سنويًا، ويتوفّى منهم قرابة 350 ألفًا، ما يجعله من أبرز أسباب الوفاة في المستشفيات الأمريكية.
وفي هذا السياق، يصبح كسب ساعات قليلة في التشخيص فارقًا بين الحياة والموت، وهو ما يقدّمه النظام عبر رصد المؤشّرات قبل أن تتطوّر إلى أزمة. وقد عبّرت الدكتورة جيمي ويبر، نائبة رئيس المعلوماتية الطبّية بالمستشفى، عن أثر ذلك بقولها إن مرضى يعودون اليوم إلى بيوتهم بعد أن لم يكن ذلك ممكنًا قبل هذه الأدوات، واصفةً النتيجة من منظور سريري بأنها نقلة نوعية.
ليست حالة معزولة
تجربة تامبا ليست الوحيدة. فقد أظهرت دراسة منشورة في دورية npj Digital Medicine مطلع 2024 أن نظامًا آخر للذكاء الاصطناعي يُدعى COMPOSER خفّض وفيات تسمّم الدم بنسبة 17% بعد تشغيله، إذ رصد المرضى المعرّضين للخطر قبل أربع إلى ست ساعات من التشخيص المعتاد. نظامان مختلفان في مستشفيين مختلفين، يشيران معًا إلى الاتجاه نفسه: الأدلّة المتراكمة ترجّح أن هذه الأدوات تنقذ الأرواح فعلًا.
فلماذا لا تنتشر في كل مكان؟
رغم تنامي الأدلّة، يبقى تبنّي هذه الأنظمة بطيئًا في المستشفيات. والعائق الأبرز ليس التقنية بل التمويل. فقد أشار استطلاع لجمعية الإدارة المالية للرعاية الصحية إلى أن قيود الميزانية وشحّ الموارد من أهم عقبات تبنّي الذكاء الاصطناعي، إذ يرى مسؤولون تنفيذيون أن رأس المال، لا التقنية، هو القيد الحقيقي. كما أن دمج هذه الأنظمة يتطلّب بنية بيانات ناضجة وتدفّقات عمل سريرية معاد تصميمها، وهو ما لا يتوفّر بسهولة في كل مؤسسة.
نظرة متوازنة
من الإنصاف الإشارة إلى أن الأرقام المعلنة تقديرات صادرة عن المستشفى نفسه، وقياس عدد «الأرواح المُنقَذة» بدقة في بيئة طبّية معقّدة أمر صعب علميًا، إذ تتداخل عوامل كثيرة. كما أن الذكاء الاصطناعي في الطبّ ليس معصومًا؛ ففي حادثة منفصلة، أخفقت أداة ذكاء اصطناعي في مستشفى آخر في رصد تحويل ممرّضة لعقار مخدّر على مدى أشهر. هذه الأدوات مساعِدة للطاقم الطبّي لا بديلة عنه، وقيمتها الحقيقية في تنبيه البشر مبكّرًا لاتخاذ القرار.
خلاصة
تجربة مستشفى تامبا نموذج عملي على أن الذكاء الاصطناعي، حين يُوظَّف في مهمّة محدّدة وعالية القيمة كالرصد المبكّر لتسمّم الدم، قادر على إحداث أثر ملموس على حياة المرضى. السؤال الذي يطرحه الخبر ليس «هل تنفع التقنية؟» بل «لماذا لا تصل إلى كل مستشفى؟»، وهو سؤال إجابته في التمويل والبنية التحتية والإرادة المؤسسية أكثر منها في التقنية ذاتها.